ابن كثير
150
السيرة النبوية
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف ، وقد قال لهم ، فيما ذكر لي ، إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا على . وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه . فلم يفعلوا ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه ، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه . فعمد إلى ظل حبلة ( 1 ) من عنب فجلس فيه ، وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما يلقى من سفهاء أهل الطائف . وقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما ذكر لي ، المرأة التي من بني جمح ، فقال لها : ماذا لقينا من أحمائك ! فلما اطمأن قال فيما ذكر : " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربى ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ؟ ! إن لم يكن بك غضب على فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل على سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، لا حول ولا قوة ألا بك " . قال : فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقي تحركت له رحمهما ، فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس [ وقالا له ] خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه .
--> ( 1 ) الحبلة : الكرمة .